صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
116
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
ليست هي في ذاتها موضوعة للوحدة الاتصالية ولا الكثرة التي تقابلها فليست هي في ذاتها واحدة ولا كثيرة حتى ينعدم بزوال أحدهما عنه طريان الأخرى فالبرهان الدال على وجودها دل على أن وجودها وجود مبهم هو قوة كل وجود ووحدتها التي لها في ذاتها وحدة مبهمة ناقصة لا يأبى عن اجتماعها مع الاتصال والانفصال والوحدة والكثرة العدديتين من جهة الصور الجسمانية وأما الأجسام فليست كذلك بل لكل منها وحدة عددية إذا بطلت بطلت ذاتها الشخصية وقوله ثم عليك أن تعلم مما سلفك حقيقة هذا وما فيه وعليه إشارة إلى ما ذكره في المقالة السابقة من الفن الثاني من المنطق وهي في المتقابلات وأحوالها سيما المذكور فيها من تحقيق حال التضاد وكيفية وحدة الموضوع ودفع الشكوك التي يرد عليه وبيان الخواص التي للمتضادين فإن بالاطلاع على ذلك يظهر ويتبين أن التقابل الذي بين الواحد والكثير ليس من صنف تقابل التضاد [ في بيان عدم تقابل العدم والملكة بين الوحدة والكثرة ] قوله فلينظر هل التقابل بينهما تقابل الصورة والعدم إلى آخره ليس يمكن أن يكون تقابل الوحدة والكثرة تقابل الملكة والعدم لوجهين الأول أن هذا العدم عبارة أن لا كون شيء عما من شأن نفسه أو من شأن نوعه أو من شأن جنسه أن يكون ذلك الشيء كما معنى في المنطق فيلزم عليك أن كان ذلك العدم منهما هو الوحدة أن تجد لكل واحد وجها به صارت الوحدة فيها عدما للكثرة التي من شأنه أو من شأن نوعه أو جنسه أن يكون له الكثير وإن كان العدم منهما هو الكثرة أن تجد لكل أشياء كثيرة وجها آخر به صارت الكثرة فيها عدم الوحدة التي من شأن تلك الأشياء أو شأن نوعها أو جنسها أن يتوحد بتلك الوحدة وإنما اقتصر الشيخ على النوع لأن إمكان الشخص غير محتمل هاهنا ولعله أراد بالنوع النوع الإضافي وأن كل جنس فهو نوع باعتبار ثم إنه معلوم أن الأمر ليس كذلك في شيء منهما فإن المراد من كون الشيء ممكنا أن يكون كذا بحسب نوعه أو من شأن نوعه أن يكون كذا أن ذلك الشيء بعينه مما يمكن له من جهة نوعه ما تحقق في فرد آخر من النوع لا أن نوعه فقط مما يمكن أن يصير كذا فإذا قلنا إن زيدا الأعمى مثلا من شأن نوعه أن يكون بصيرا معناه أن زيدا بخصوصه له إمكان البصر من جهة كونه إنسانا وليست الوحدة والكثرة من هذا القبيل فالواحد الشخصي مثلا يستحيل أن يصير أشخاصا ولا يمكن له ذلك لا من جهة شخصه ولا من جهة نوعه ولا من جهة من الجهات وكذا الأشخاص الكثيرة لا يمكن أن يصير شخصا واحدا لشيء من الإمكانات وكذلك الحال في سائر أقسام الوحدة ومقابلاتها من الكثرات الوجه الثاني أن في تقابل العدم والملكة لا بد أن يكون أحد المتقابلين وجوديا والآخر عدم ملكة له لاستحالة أن يكون شيئان كل منهما عدما للآخر فإذن لا بد أن يكون إما الوحدة وإما الكثرة أمرا معقولا بنفسه ثابتا بذاته وهو الملكة والآخر الذي هو عدمه أمرا غير معقول بنفسه ولا ثابتا بذاته إذ الأعدام لا تعقل ولا يعرف إلا بالملكات لأنها أعدام مضافة ليست أعداما مطلقة فقوم من القدماء الذين جعلوا تقابلهما من العدم والملكة جعلوا الوحدة من حيز الملكة والكثرة من حيز العدم وعندهم أن هذا التقابل أول المضادة بين الأشياء وإطلاق التضاد على هذا التقابل بناء على اصطلاحهم في عدم اشتراط كون المتضادين وجوديين البتة وأنهم رتبوا لما تحت الملكة الصورة ومقابلها العدم وهو المادة والخير وعدمه الشر والفرد وعدمه الزوج والنهاية وعدمها اللا نهاية واليمين وعدمه اليسار والنور وعدمه الظلمة والساكن والمستقيم والمربع والعلم والذكر وعدمها المتحرك والمنحني والمستطيل والجهل والأنثى وأما الشيخ فجعل الوحدة أولى بأن يكون عدما وذلك لأنه حد الوحدة بعدم الانقسام والكثرة بقبول التجزئة وهذا الوجه ليس بشيء أما أولا فلأنك قد عرفت أن لا حد للوحدة كما لا حد للوجود بل هي غير مفتقرة إلى تعريف لأنها أعرف الأشياء بحسب المفهوم والذي ذكره من عدم انقسامها لازم من لوازمها ويجوز أن يكون للموجود الحقيقي لوازم سلبية وأما ثانيا فلما سيظهر لك أن حقيقة الوحدة والوجود واحدة بالذات وإنما التغاير بينهما في المفهوم وأما ثالثا فلأن الشيخ قائل صريحا بأن الاتصال الحقيقي للجسم أمر وجودي وهو ضرب من ضروب الوحدة العددية بل الحق أن الوحدة والكثرة كلاهما وجوديان لكن الوجود في الوحدة أقوى وفي الكثرة أضعف وبعض الوحدات مما لا كثرة بإزائها كوحدة الباري جل اسمه والتي بإزائها كثرة ليست تلك الكثرة هي عدمها بل قد يلزم عدمها كما في زوال الاتصال بالقسمة وقد لا يلزم كما في عدم زيد وبالجملة ليس شيء من الوحدة والكثرة عدما للآخر أما الكثرة فلما ذكره من أنها يتألف من الوحدة ويتقوم بها وعدم الشيء يمتنع أن يتقوم به فكيف يتصور أن يكون الملكة موجودة في العدم كبصر يوجد في العمى وكحركة يوجد في السكون حتى يكون عدة أبصار ويحصل من اجتماعها حركات يحصل من اجتماعها السكون وأما الوحدة فلأنه يلزم من كونه عدما حصول الملكة